

بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
في خضمّ حربٍ لا ترحم أشعل فتيلها مجرما الحرب نتنياهو وتابعه الحقير دونالد ترامب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجد مغاربة العالم أنفسهم فجأة على حافة المجهول، هروب قسري تحت القصف، قرارات مصيرية تُتخذ في دقائق، واستثمارات بُنيت بعرق السنين تُترك خلفهم كأنها لم تكن. ليس الأمر مجرد خسائر مادية، بل اقتلاع قاسٍ من الاستقرار، وضياع لسنوات من الكفاح في لحظة انهيار.
لكن الصدمة الكبرى لا تقف عند حدود الحرب، بل تمتدّ إلى ما بعدها: صمت رسمي بارد، وتفاعل حكومي يبدو دون حجم الكارثة. وكأنّ هؤلاء المواطنين، الذين طالما اعتُبروا “رافعة اقتصادية” عبر تحويلاتهم، يصبحون فجأة خارج دائرة الأولوية عندما يتحولون إلى ضحايا يحتاجون الحماية والدعم.
ولعلّ ما يزيد من حدّة هذا التناقض، أن دستور 2011 شكّل منعطفًا حاسمًا في إدماج الجالية المغربية ضمن المشهد السياسي والحقوقي، إذ انتقل من منطق التدبير الإداري الضيق إلى إقرار مبدأ المواطنة الكاملة، بما تعنيه من حقوق وواجبات، ومن حماية والتزام من طرف الدولة تجاه مواطنيها داخل الوطن وخارجه. غير أن ما نعيشه اليوم يكشف فجوة مقلقة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية، حيث تبدو هذه الحقوق وكأنها حبر على ورق عندما تشتد الأزمات.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التحولات التي أُعلنت مؤخرًا على أعلى مستوى، حيث أبرزت التوجيهات الملكية لسنة 2024 إرادة واضحة لإعادة هيكلة تدبير شؤون الجالية المغربية، من خلال إرساء تحول مؤسساتي جديد يقوم على هيأتين رئيسيتين: مجلس الجالية المغربية بالخارج، باعتباره مؤسسة دستورية، و”المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج”، وذلك بهدف تجاوز تداخل الاختصاصات وتحقيق نجاعة أكبر في خدمة قضايا الجالية.
وإذا كانت الإرادة الملكية قد وضعت الإطار، وحددت معالم الإصلاح، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: أين التفعيل؟ أين الأثر الملموس لهذه التوجيهات على أرض الواقع؟ ماذا تغيّر فعليًا في حياة مغاربة العالم، خاصة في لحظات الأزمات؟
لا يكفي الإعلان عن هيكلة جديدة أو إطلاق مؤسسات بأسماء وازنة، إذا ظلت نفس الأعطاب قائمة: بطء في التدخل، غياب للتنسيق، ضعف في التواصل، وارتباك في تدبير الحالات الطارئة. فالتوجيهات الملكية ليست شعارات تُرفع، بل التزامات تُنفذ، ومسؤوليات تُحاسَب عليها الجهات المكلفة بالتنزيل.
إن الخلل اليوم لا يمكن تبريره بغياب الرؤية، لأنها موجودة وواضحة، بل يكمن في ضعف التنفيذ وربما في غياب الإرادة الحقيقية لدى بعض مستويات التدبير. وهنا تتحول الإشكالية من نقاش مؤسساتي إلى مساءلة سياسية وإدارية صريحة، من يعرقل التفعيل؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التأخر الذي يدفع ثمنه المواطن المغربي في الخارج؟
والمثير للاستغراب، بل والمثير للغضب، أن أغلب دول العالم سارعت إلى التفاعل مع تداعيات هذه الحرب، ففعّلت خلايا الأزمة، وواكبت رعاياها، وأمنت عمليات الإجلاء والتواصل المستمر معهم، في حين يبدو أن الحكومة المغربية اختارت الصمت، وكأن آذانها صمّت عن نداءات الاستغاثة. وكأن المغاربة الذين يعيشون في الكويت والإمارات وقطر والسعودية لا تربطهم بالمغرب أية رابطة، ولا يدخلون ضمن أولويات الحماية والرعاية.
وفي خضم هذا الواقع، يخرج رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان ليقدّم حصيلة ولايته، مقدّمًا إياها عنوانًا للصمود، ومنطلقًا لسلسلة من “المكاسب” التي تحققت بفضل الرؤية الملكية السامية. غير أن هذا الطرح يطرح أكثر من علامة استفهام، أين بصمة الحكومة نفسها؟ أين قراراتها الجريئة؟ أين مسؤوليتها السياسية المباشرة؟
فإذا كانت كل الإنجازات تُنسب إلى الرؤية الملكية، فأين موقع الحكومة في معادلة التدبير؟ ولماذا يختفي رئيسها خلف هذه الرؤية بدل أن يتحمّل مسؤوليته الكاملة في النجاحات كما في الإخفاقات؟ إن تحويل الحصيلة الحكومية إلى مجرد صدى للقرارات العليا يفرغ العمل السياسي من مضمونه، ويجعل الانتخابات بلا معنى حقيقي.
فما الجدوى من صناديق الاقتراع، إذا كان المنتخب لا يُحاسَب على أفعاله، ولا يُنسب إليه ما تحقق في عهده؟ وما قيمة التنافس السياسي، إذا كانت الحكومة لا تملك الجرأة لتقول: “هذا ما أنجزناه نحن، وهذا ما أخفقنا فيه”؟
إن ربط كل شيء بالرؤية الملكية لا يجب أن يكون ذريعة للتنصل من المسؤولية، بل دافعًا لتنزيلها بفعالية وجرأة. فالحكومات تُقاس بقدرتها على الفعل، لا بقدرتها على الاختباء وراء الإنجازات.
إن ما يحدث اليوم لا يطرح فقط سؤال النجاعة، بل يضع مفهوم المسؤولية السياسية نفسه على المحك. فإما أن تكون هناك حكومة تتحمّل مسؤوليتها أمام الشعب، أو نكون أمام مشهد سياسي بلا روح، تُختزل فيه الديمقراطية في طقوس شكلية لا أكثر.
التاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تنسى. ومغاربة العالم، كما كل المغاربة، لن ينسوا من تحمّل مسؤوليته بوضوح، ولا من اختار الاختباء حين كانت الحاجة إلى الوضوح أكبر من أي وقت مضى.
فلاش: في النهاية، لا يمكن لأي خطاب أن يغطي على حقيقة واحدة صارخة: حين يُترك المواطن المغربي في الخارج يواجه الخوف والنزوح وخسارة كل ما بناه، بينما تنشغل الحكومة بتلميع الحصيلة وتوزيع الإنجازات، فإننا لا نكون أمام أزمة ظرفية، بل أمام خلل عميق في معنى الدولة نفسها. فالدولة التي تحضر في الأرقام وتغيب في المحن، تفقد جزءًا من شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية. ومغاربة العالم، الذين لم يبخلوا يومًا على وطنهم بالتحويلات ولا بالوفاء، لن يقبلوا أن يُختزلوا في دور “خزان عملة” يُستدعى عند الحاجة ويُهمل عند الشدة. إما أن تُستعاد هيبة المسؤولية ويُفعَّل الدستور وتُترجم التوجيهات إلى أفعال تحمي الإنسان قبل كل شيء، أو سيظل هذا الصمت وصمة لا تمحوها كل بلاغات التبرير. وعندها لن يكون السؤال ماذا وقع، بل من خذل من؟

