
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
لم يعد ما يعيشه المغاربة اليوم مجرد أزمة غلاء عابرة، ولا مجرد انعكاس لتقلبات الأسواق الدولية كما تحاول الحكومة تسويقه عبر إعلامها الرسمي وناطقيها باسم “الإنجازات الوهمية”. ما يحدث أخطر من ذلك بكثير. نحن أمام سياسة ممنهجة لتكسير إرادة المواطن المغربي، وإشعاره بالعجز والإهانة اليومية، حتى يتحول مطلب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية إلى حلم بعيد المنال.
لقد بدأت ملامح هذا الانتقام السياسي والاجتماعي منذ اللحظة التي خرج فيها المغاربة يطالبون بحقهم في الحرية والعدالة ومحاربة الفساد والاستبداد. منذ أن كسر الشعب حاجز الخوف ورفع صوته ضد اقتصاد الريع واحتكار الثروة والسلطة، بدأت بعض دوائر النفوذ تنظر إلى المواطن لا كشريك في الوطن، بل كخصم ينبغي إخضاعه وإعادته إلى “بيت الطاعة”.
وحين أطلق المغاربة حملة المقاطعة الشعبية ضد الشركات المرتبطة بعزيز أخنوش، ظهرت بوضوح العقلية التي تدير البلاد. يومها لم يُعامل المواطن باعتباره مستهلكًا حرًا يمارس حقه المشروع في الاحتجاج الاقتصادي، بل جرى التعامل معه كـ”متمرّد” يستحق التأديب. ولم ينس المغاربة تلك اللغة المتعالية التي خرج بها أخنوش متحدثًا عن ضرورة “إعادة التربية”، وكأن الشعب مجرد قطيع يجب تلقينه الطاعة بدل الإنصات إلى مطالبه المشروعة.
ومنذ ذلك الحين، بدا وكأن هناك قرارًا غير معلن بدفع المغاربة نحو مزيد من الإفقار والضغط النفسي والاجتماعي. فكل شيء ارتفع ثمنه بشكل جنوني: الزيت، السكر، الخضر، اللحوم، المحروقات، النقل، الكهرباء، الماء، التعليم، والعلاج… حتى أبسط شروط العيش الكريم أصبحت عبئًا ثقيلاً على ملايين الأسر المغربية. أما الأجور فبقيت جامدة، وكأن المطلوب من المواطن أن يتحمل وحده نتائج الفشل السياسي والاقتصادي.
ولعل أكبر دليل على فشل السياسات العمومية التي أشرف عليها عزيز أخنوش منذ كان وزيرًا للفلاحة، ما آل إليه القطاع الفلاحي نفسه بعد سنوات طويلة من الترويج لما سُمّي بـ”المخطط الأخضر”، الذي قُدّم للمغاربة باعتباره مشروعًا لتحقيق الأمن الغذائي وإنقاذ الفلاح المغربي. لكن الواقع كشف أن هذا المخطط خدم كبار المستثمرين ولوبيات التصدير أكثر مما خدم الفلاح البسيط أو المواطن العادي. فبعد كل تلك المليارات التي صُرفت باسم التنمية الفلاحية، يجد المغاربة أنفسهم اليوم عاجزين حتى عن شراء أضحية العيد بسبب الأسعار الملتهبة التي تجاوزت قدرة الأسر البسيطة والمتوسطة.
إن ارتفاع أسعار أضاحي العيد ليس مجرد أزمة موسمية، بل عنوان صارخ لفشل النموذج الفلاحي الرسمي، ودليل واضح على أن السياسات العمومية لم تؤدِّ سوى إلى توسيع دائرة الاستبعاد والحرمان الاجتماعي. لقد أصبح المغربي يشعر أن حتى شعائره الدينية ومناسباته الاجتماعية باتت مهددة تحت ضغط الجشع والاحتكار، وفي ظل غياب أي إحساس حقيقي بمعاناة المواطنين.
إن ما شهدته الأسواق المغربية، بما فيها “المتاجر الكبرى”، من انفلات مهول للأسعار، ليس مجرد خلل اقتصادي عابر، بل نتيجة طبيعية لتحالف السلطة بالمال، واحتكار السوق من طرف لوبيات مرتبطة بمراكز النفوذ. حكومة أخنوش لم تأتِ لحماية القدرة الشرائية للمغاربة، بل لحماية مصالح كبار المحتكرين، ولو كان الثمن سحق الطبقة الوسطى ودفع الفقراء نحو اليأس والانهيار.
والمثير للسخرية أن الحكومة التي تطالب الشعب بالصبر والتضحية، لم تُظهر أي استعداد لتقليص امتيازات المسؤولين والنافذين، ولا لمحاربة الاحتكار الحقيقي، ولا لاسترجاع الأموال المنهوبة، ولا لفرض ضرائب عادلة على كبار المستفيدين من اقتصاد الريع. وحده المواطن البسيط من يُطلب منه أن يصمت، ويتحمل، ويدفع فاتورة الفساد والفشل كاملة.
لقد تحولت الدولة في نظر كثير من المغاربة إلى آلة جباية ضخمة: ترفع الأسعار، تثقل الضرائب، تقلص الخدمات، وتترك المواطن وحيدًا في مواجهة الجوع والبطالة والمرض واليأس. بل الأخطر من ذلك أن هناك من يحاول إقناع الناس بأن معاناتهم “قدر طبيعي”، وأن من يشتكي إنما يبالغ أو يخدم “أجندات مشبوهة”.
لكن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن المغاربة لم يعودوا يطالبون بالرفاهية، بل فقط بالحق في العيش بكرامة داخل وطنهم. يريدون دولة تحميهم لا سلطة تعاقبهم، يريدون اقتصادًا يخدم الشعب لا لوبيات الاحتكار، ويريدون مسؤولين يشعرون بآلام الناس بدل التفاخر بالأرقام والخطب الفارغة.
فلاش: إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة هو أن تدفع شعبها إلى الشعور بأن وطنه لم يعد يتسع له. فالشعوب قد تتحمل الفقر لسنوات، لكنها لا تغفر الإهانة، ولا تنسى من حوّل حياتها اليومية إلى جحيم من الغلاء والخوف والعجز. والمغاربة الذين صبروا طويلًا، وابتلعوا مرارة التهميش والاحتقار، يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الأزمة ليست فقط أزمة أسعار، بل أزمة حكم وعقلية وسلطة اختارت الاصطفاف إلى جانب المال والنفوذ ضد الشعب.
وحين يصبح شراء اللحم حلمًا، وأداء فاتورة الكهرباء معركة، وتتحول أضحية العيد إلى كابوس يؤرق الأسر المغربية، فاعلم أن الأمر لم يعد مجرد فشل حكومي، بل سقوط أخلاقي وسياسي مدوٍّ. لأن الدولة التي تعجز عن حماية كرامة مواطنيها، أو تتجاهل معاناتهم، تفتح بنفسها أبواب الغضب وفقدان الثقة والانفجار الاجتماعي. ويبقى السؤال الذي يطارد المغاربة كل يوم:
إلى متى سيستمر هذا الوطن في مطالبة الفقراء بالصبر، بينما تُفتح خزائن البلاد أمام لوبيات الريع والاحتكار؟ وإلى متى سيظل الشعب يؤدي ثمن سياسات لم يخترها، وحكومات لا تسمع إلا صوت أصحاب الثروة والنفوذ؟

