
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا

“حين تتحول اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى ساحة تتقاطع فيها السياسة والمال والإعلام، يصبح السؤال مشروعًا : هل ما زال كأس العالم بطولة لجميع الشعوب، أم أنه لا يزال يخضع لنفوذ تاريخي لم يتغير، رغم أن موازين القوة في العالم تغيرت؟”
إنّ المعركة في كأس العالم لم تعد تُحسم داخل المستطيل الأخضر وحده، بل أصبحت تُدار أيضًا في مكاتب الشركات العملاقة، واستوديوهات الإعلام، وغرف صناعة القرار الرياضي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية، في مشهد يجعل كثيرين يتساءلون: هل لا تزال كرة القدم لعبة الشعوب، أم أصبحت أداةً تحتكرها مراكز النفوذ العالمية؟
لقد آن الأوان لفتح نقاش عالمي جاد حول الهيمنة الغربية على منظومة كرة القدم الدولية، وهيمنة امتدت لعقود حتى أصبحت تبدو وكأنها أمر طبيعي، رغم أن اللعبة لم تعد أوروبية، بل أصبحت إرثًا إنسانيًا تتقاسمه جميع الأمم.
ومن حق شعوب العالم أن تتساءل: لماذا تظل أغلب مفاتيح القرار الاقتصادي في كرة القدم متمركزة داخل أوروبا والولايات المتحدة؟ ولماذا توجد المقرات الرئيسية لأكبر الشركات الراعية للاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) في هذه الدول، بينما تمثل بقية القارات مجرد أسواق استهلاكية وجماهير ضخمة تملأ المدرجات وشاشات التلفزيون؟
ولماذا تظل كبريات الشبكات الإعلامية الغربية صاحبة النصيب الأكبر من حقوق البث العالمية، فتملك القدرة على تشكيل الرأي العام الرياضي، وصناعة النجوم، والتأثير في السردية الإعلامية المحيطة بالبطولات، بما يمنحها نفوذًا يتجاوز مجرد نقل المباريات إلى المشاركة في رسم مستقبل اللعبة واتجاهاتها؟
أما أكثر الملفات إثارة للجدل، فهو تداخل السياسة بالرياضة. فحين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، سارعت المؤسسات الرياضية الدولية إلى استبعاد روسيا من مختلف المنافسات. لكن في المقابل، ظل الجدل قائمًا حول استمرار مشاركة إسرائيل في البطولات الدولية رغم الانتقادات الواسعة التي وجهتها منظمات ودول عديدة لسلوكها العسكري في غزة وما ترتب عليه من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل تُطبق المبادئ الرياضية بمعيار واحد، أم أن موازين القوة السياسية هي التي تحدد متى تُفعَّل العقوبات ومتى تُعطَّل؟
إن العدالة الرياضية لا تكون انتقائية، لأن الانتقائية تُفقد الرياضة رسالتها الأخلاقية، وتحولها إلى امتداد لصراعات السياسة الدولية بدل أن تكون مساحة للتنافس الشريف بين الشعوب.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الغرب لم يعد يحتكر النجاح. فقد نظمت قطر نسخة استثنائية من كأس العالم سنة 2022، أشاد بها الملايين باعتبارها واحدة من أنجح البطولات تنظيمًا وأمنًا وإبهارًا، وأسقطت عمليًا الادعاءات التي كانت تشكك في قدرة الدول العربية والإسلامية على استضافة أكبر حدث رياضي في العالم.
كما أثبتت منتخبات آسيا وإفريقيا والعالم العربي أن الفوارق التاريخية بدأت تتقلص. وكان الإنجاز المغربي في مونديال قطر، ببلوغه نصف النهائي لأول مرة في تاريخ العرب وإفريقيا، إعلانًا واضحًا بأن زمن احتكار الكبار بدأ يتصدع. ولم يكن ذلك الإنجاز ضربة حظ، بل ثمرة مشروع رياضي متكامل، وهو ما تؤكده قدرة المنتخب المغربي على مواصلة منافسة أقوى المنتخبات في الأدوار الإقصائية من بطولة كأس العالم 2026، مثبتًا أن كرة القدم لم تعد تعترف بالاحتكار أو بالأسماء وحدها.
إن العالم تغير، بينما ما تزال بنية النفوذ داخل كرة القدم تتحرك بعقلية القرن الماضي. ولذلك، فإن دول آسيا وإفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية مطالبة اليوم ببناء جبهة إصلاحية داخل المؤسسات الرياضية الدولية، هدفها ترسيخ مزيد من التوازن في صناعة القرار، وتعزيز استقلالية التحكيم، وتوسيع التمثيل الحقيقي لمختلف القارات، بما ينسجم مع الطبيعة العالمية للعبة.
فكأس العالم ليس بطولة أوروبية تُستدعى إليها بقية الشعوب كل أربع سنوات، بل هو بطولة كونية تمولها جماهير العالم، وتصنع مجدها مواهب العالم، ويجب أن تُدار بروح العالم.
لقد انتهى زمن الوصاية الرياضية، وانتهى زمن الاعتقاد بأن الغرب وحده يملك حق رسم مستقبل كرة القدم. وإذا كانت الشعوب قد نجحت في تغيير موازين القوى الاقتصادية والسياسية في القرن الحادي والعشرين، فإن الوقت قد حان أيضًا لإعادة التوازن إلى اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض.
إن كأس العالم لن يكون عالميًا بحق إلا عندما تتحرر كرة القدم من هيمنة السياسة، ومن سطوة المال، ومن ازدواجية المعايير، ليصبح القانون واحدًا، والعدالة واحدة، والفرص متساوية، مهما كان اسم الدولة، أو موقعها الجغرافي، أو وزنها السياسي.
فلاش: لقد ظلّت أوروبا، منذ انطلاق أول نسخة لكأس العالم سنة 1930، صاحبة النصيب الأكبر من النفوذ داخل مؤسسات كرة القدم العالمية، سواء عبر ثقلها داخل أجهزة القرار، أو عبر هيمنة شركاتها الراعية، أو عبر سيطرة إعلامها على صناعة الصورة والرواية الرياضية. لكن العالم الذي كان بالأمس أحادي القطب لم يعد كذلك اليوم. فقد أثبتت دول آسيا وإفريقيا والعالم العربي أنها قادرة على تنظيم أكبر البطولات بكفاءة تضاهي، بل وتتفوق أحيانًا، على أعرق الدول، كما أثبتت منتخباتها أنها لم تعد مجرد ضيوف شرف، بل منافسين حقيقيين على أعلى المراتب.
ولذلك، فإن الوقت قد حان لتتشكل جبهة رياضية عالمية تضم دول آسيا وإفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، ليس لمواجهة قارة بعينها، بل للدفاع عن مبدأ بسيط وعادل: أن تكون كرة القدم ملكًا لجميع شعوب الأرض، وأن تُدار بمعايير واحدة لا تعرف ازدواجية في تطبيق القوانين، ولا تمييزًا في العقوبات، ولا احتكارًا في القرار.
فإذا كانت كرة القدم تُوصف بأنها “اللعبة العالمية”، فمن غير المقبول أن يبقى القرار العالمي حكرًا على أقلية تاريخية تمتلك المال والإعلام والنفوذ. إن الملايين الذين يملؤون الملاعب، والمليارات الذين يتابعون كأس العالم من مختلف القارات، هم أصحاب الحق الحقيقي في هذه اللعبة، وهم الأجدر بأن يروا بطولة تحكمها العدالة قبل اللوائح، والمساواة قبل المصالح، والرياضة قبل السياسة. وعندها فقط، سيستحق كأس العالم اسمه، وسيصبح بحق بطولة العالم، لا بطولة العالم كما يريدها الأقوياء.

