
بقلم الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
في الأسبوع الماضي، وخلال زيارة سريعة إلى أرض الوطن، رافقتُ أحد الأصدقاء من مغاربة العالم لقضاء بعض الأغراض الإدارية التي يفترض، في دولة تحترم أبناءها، أن تتم في ظروف تحفظ الكرامة وتُيسر الخدمات. لكن ما شاهدته بعيني لم يكن مجرد بطء إداري أو سوء تنظيم عابر، بل كان مشهداً كاملاً من الإذلال الممنهج، والتعالي البيروقراطي، والمعاملة الحاطة بكرامة مواطن اختار أن يعود إلى وطنه حاملاً الحنين والمحبة، فإذا به يُستقبل بالاستخفاف والاحتقار. منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن المواطن المغربي، وخاصة القادم من الخارج، لا يُعامل كإنسان له حقوق، بل كرقم إضافي في طابور طويل من المعاناة اليومية. ساعات من الانتظار، وجوه متجهمة، موظفون يتعاملون وكأنهم يمنّون على الناس بخدمة مجانية، رغم أن تلك الوثائق والإجراءات كلّفت صديقي آلاف الدراهم بين رسوم وتنقلات ومصاريف مختلفة. والأسوأ من ذلك أن كل اعتراض أو استفسار بسيط يُقابل بنظرات استعلاء وكأن المواطن ارتكب جرماً لأنه طالب بحقه الطبيعي في معاملة محترمة. فأي منطق هذا الذي يجعل مغاربة العالم يُعاملون بهذه الطريقة المهينة، في الوقت الذي لا تتوقف فيه الخطابات الرسمية عن التغني بـ”الدور الاستراتيجي للجالية” و”مساهمتها في الاقتصاد الوطني”؟ كيف يمكن لدولة تعتمد بشكل كبير على تحويلات الجالية، وتستفيد من استثماراتها وعلاقاتها الدولية، أن تسمح باستمرار هذا الواقع الإداري المتخلف الذي يدفع كثيرين إلى النفور بدل الارتباط بوطنهم؟ المفارقة المؤلمة أن هذه الممارسات تتم رغم التوجيهات الملكية المتكررة التي شددت مراراً على ضرورة تحسين ظروف استقبال مغاربة العالم، وتبسيط المساطر الإدارية، وضمان المعاملة اللائقة لهم داخل الإدارات والمؤسسات العمومية. غير أن ما يحدث على أرض الواقع يكشف وجود فجوة خطيرة بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية، وكأن بعض المسؤولين والموظفين يعيشون في دولة أخرى لا يسمعون فيها لا التوجيهات ولا نبض الشارع. إن أكبر إهانة يتعرض لها مغاربة العالم ليست فقط في التعقيدات الإدارية، بل في ذلك الإحساس القاتل بأنهم غير مرغوب فيهم إلا عندما يتعلق الأمر بتحويل العملة الصعبة أو الترويج لصورة المغرب بالخارج. أما حين يطرقون أبواب الإدارات لقضاء مصالحهم، فإنهم يصطدمون بعقلية متكلسة تعتبر المواطن مجرد متسول للخدمة، لا صاحب حق. لقد أصبح من المؤلم أن يشعر المغربي القادم من الخارج بأن كرامته محفوظة في دول المهجر أكثر مما هي محفوظة في بلده الأصلي. هناك تُحترم المواعيد، وتُبسط الإجراءات، ويُعامل الإنسان كمواطن كامل الحقوق، بينما هنا لا يزال كثير من الإدارات غارقاً في عقلية التحكم والإهانة واللامبالاة، وكأن الزمن توقف عند عقود مضت. إن الحديث عن تشجيع الاستثمار وربط الجالية بالوطن يظل مجرد شعارات فارغة ما دامت الإدارة المغربية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الاحترام والفعالية. فلا يمكن مطالبة مغاربة العالم بالمساهمة في التنمية وهم يُستقبلون بالإذلال، ولا يمكن الحديث عن الثقة في المؤسسات بينما المواطن يخرج من الإدارة منهكاً نفسياً، شاعراً بالحكرة والاحتقار. المطلوب اليوم ليس المزيد من الخطب الرنانة أو الحملات الدعائية الموسمية، بل ثورة حقيقية داخل الإدارة المغربية، تبدأ بمحاسبة المسؤولين عن هذه الممارسات المهينة، وفرض ثقافة احترام المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن كرامة المغاربة ليست امتيازاً يمنحه موظف مزاجي، بل حق أصيل لا يقبل الإهانة أو المساومة. ويبقى السؤال الصادم: إلى متى سيظل مغاربة العالم يُعاملون كخزنة مالية تُفتح وقت الحاجة، ثم تُغلق أبواب الكرامة في وجوههم عندما يطالبون بأبسط حقوقهم كمواطنين؟
فلاش: لم تكن الصدمة مقتصرة على الإدارات فقط، بل امتدت إلى المدينة التي ترعرعت فيها، مدينة سطات، التي تحولت في نظر كثير من أبنائها إلى نموذج صارخ للإهمال والتهميش وسوء التدبير. مدينة كانت تُعرف بهدوئها وموقعها الاستراتيجي، أصبحت اليوم ضحية عصابة من المنتخبين الذين احترفوا نهب المال العام وتبادل المصالح وتقاسم الغنائم، بينما تُركت الساكنة تواجه واقعاً بائساً لا يليق بمدينة مغربية في القرن الواحد والعشرين. فأينما حللت وارتحلت تصادف الحفر التي تنهش الطرقات، والأزبال المتراكمة في الأزقة والأحياء، وانعدام المساحات الخضراء التي يمكن أن يتنفس فيها المواطن قليلاً من الراحة والكرامة. لا حدائق حقيقية، لا بنية تحتية محترمة، لا مشاريع تعكس أن هناك مسؤولين يفكرون في مستقبل المدينة، بل فقط مظاهر التسيب والإهمال وكأن سطات مدينة منسية خارج حسابات التنمية. فأيّ جريمة ارتكبها سكان هذه المدينة؟ والأخطر من كل ذلك أن هذا الخراب يحدث أمام أعين المسؤولين دون حسيب أو رقيب، بينما تُصرف الملايين في الشعارات والوعود الفارغة، في وقت لم يعد فيه المواطن يطلب المستحيل، بل فقط مدينة نظيفة تحفظ له الحد الأدنى من الكرامة والعيش الإنساني. لقد أصررتُ على الربط بين التجربة الشخصية والواقع العام، لأن معاناة مغاربة العالم داخل الإدارات لا تنفصل عن صورة مدن تُترك للإهمال وسوء التدبير. حين يرى الزائر الحفر والأزبال وغياب أبسط مظاهر الكرامة في مدينة مثل سطات، ثم يصطدم داخل الإدارات بالاحتقار والبيروقراطية، تتشكل لديه قناعة بأن المشكلة أعمق من مجرد أخطاء فردية، بل هي نتيجة عقلية تدبيرية فاشلة أنهكت الإنسان والمكان معاً. وختاما، فهذه ليست كلمات حاقد على وطنه، بل صيحة أحد مغاربة العالم الذي ما زال يحمل المغرب في قلبه رغم المسافات وخيبات الواقع. صيحة مواطن يحب وطنه وملكه، ويحلم بمغرب يحفظ كرامة أبنائه بدل أن يدفعهم إلى الإحساس بالغربة داخله. فهل ستجد هذه الصرخة من يسمعها وينصت إليها قبل أن يتحول الصمت إلى قطيعة، والحب إلى خيبة لا تُشفى؟

