
بقلم : الصحافي أمين بوشعيب /إيطاليا
منذ أن وقّع المغرب اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني، لم تتوقف أصوات مغربية عن التحذير من أن الأمر لا يتعلق بمجرد علاقة دبلوماسية عابرة، ولا بفتح سفارات وتبادل زيارات واتفاقيات تجارية، وإنما بمسار قد يفتح أبوابًا واسعة أمام اختراقات متعددة الأوجه، يصعب التحكم في مداها أو عواقبها.
واليوم، وبعد سنوات من التطبيع، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من المغاربة: هل كان التطبيع قرارًا صائبًا أم خاطئًا؟ بل أصبح السؤال أكثر خطورة: ماذا فعل التطبيع بالمغرب؟ وماذا فعل المغرب بالتطبيع؟ وإلى أي حد أصبح هذا المسار جزءًا من شبكة أوسع تمس القرار الوطني، والسيادة، والاقتصاد، والأمن، والسياسة، والمجتمع؟
فالتطبيع، في نظر منتقديه، لم يبقَ محصورًا في المجال الدبلوماسي، بل أخذ يتسلل إلى قطاعات ومجالات متعددة، من الاقتصاد والصناعة والفلاحة والسياحة، إلى التعليم والإعلام والثقافة والرياضة، ومن التعاون الأمني والعسكري إلى مجالات أخرى شديدة الحساسية. وهنا تحديدًا تبرز المخاوف: متى يتحول التعاون بين الدول إلى نفوذ؟ ومتى يتحول النفوذ إلى اختراق؟ ومتى يصبح الاختراق قادرًا على التأثير في خيارات دولة بأكملها؟
وليس المقصود من طرح هذه الأسئلة القفز إلى استنتاجات جاهزة أو اختزال كل أزمات المغرب في عامل خارجي واحد. فالمغرب، قبل التطبيع وبعده، يواجه اختلالات داخلية حقيقية؛ من أزمة الثقة في المؤسسات، إلى اتساع الفوارق الاجتماعية، وتفشي مظاهر الريع والفساد، وتراجع الإحساس بالعدالة، وتنامي شعور قطاعات واسعة من المجتمع بأن القرار السياسي والاقتصادي لا يعكس دائمًا انتظارات المواطنين.
لكن الخطر يبدأ حين تتقاطع الهشاشة الداخلية مع النفوذ الخارجي. فالدولة التي تعاني من أزمة ثقة تصبح أكثر قابلية للاختراق، والمجتمع الذي يشعر بأن صوته لا يُسمع يصبح أكثر قابلية للاحتقان، والمؤسسات التي تفقد جزءًا من استقلاليتها تصبح أكثر عرضة لأن تتحول من أدوات لخدمة المصلحة الوطنية إلى أدوات لإدارة المصالح المتشابكة.
ولعل الأحداث الأخيرة التي عرفها المغرب، وما رافقها من مشاهد أثارت صدمة وأسئلة عميقة لدى الشعب المغربي، أعادت إلى الواجهة سؤالًا كان مؤجلًا: هل ما نراه مجرد أزمات اجتماعية واقتصادية متفرقة، أم أن المغرب دخل بالفعل مرحلة مفصلية تتقاطع فيها الاختلالات الداخلية مع ضغوط وتحولات إقليمية ودولية متسارعة؟
إنها أسئلة لا يجوز دفنها تحت شعارات التخوين، ولا الإجابة عنها بالاتهامات الجاهزة. فالمطلوب اليوم ليس فقط أن نسأل من يقف وراء الأزمة؟ بل أن نسأل قبل ذلك: لماذا أصبحت الدولة قابلة لهذه الأزمة أصلًا؟ ومن سمح بتراكم أسبابها؟ ومن استفاد من استمرارها؟ ومن يدفع ثمنها؟
وهنا يبدأ السؤال الأكبر الذي لن يستطيع المغرب، عاجلًا أم آجلًا، الهروب منه: هل لا يزال بالإمكان القيام بمراجعة وطنية شاملة تعيد بناء الثقة، وتحصّن القرار الوطني، وتضع حدًا لتغول الريع والفساد، وتعيد الاعتبار للسيادة الوطنية باعتبارها ملكًا للمغاربة جميعًا؟ أم أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيدفع البلاد نحو مزيد من الاحتقان والتصدع، بما قد يجعل كلفة الإصلاح غدًا أكبر بكثير من كلفته اليوم؟
وإذا كان التطبيع قد فتح أبوابًا واسعة أمام علاقات متعددة المجالات، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم، بكل صراحة وهدوء، هو: ماذا يحدث عندما يدخل النفوذ الخارجي إلى دولة تعاني أصلًا من اختلالات داخلية؟
فالاختراق، في عالم اليوم، لم يعد بالضرورة دبابة تعبر الحدود، ولا جاسوسًا يحمل حقيبة سرية. لقد أصبح أكثر تعقيدًا ونعومة؛ قد يأتي في صورة استثمار، أو تكنولوجيا، أو تعاون أمني، أو شراكة اقتصادية، أو نفوذ إعلامي وثقافي، أو شبكة مصالح تتوسع تدريجيًا حتى يصبح لها وزن في صناعة القرار. لكن أخطر الاختراق هو الذي لا يُرى؟
إن الدول لا تُستهدف دائمًا عبر مواجهات مباشرة. قد يكون أحيانًا استهدافها أكثر هدوءًا، وذلك بإضعاف ثقة المواطن في مؤسساته، وتوسيع الفجوة بين المجتمع والدولة، وتغذية الانقسامات، وتكريس الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي، أوببناء شبكات مصالح تجعل بعض الفاعلين أكثر ارتباطًا بمصالح خارجية من ارتباطهم بالمصلحة الوطنية. وحين تتراكم هذه العناصر، قد لا يحتاج الخارج إلى التدخل المباشر؛ إذ تصبح الدولة نفسها منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالدولة التي يثق مواطنوها بمؤسساتها تستطيع امتصاص الأزمات. أما الدولة التي تتآكل فيها الثقة، فإن أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة ثقة في النظام السياسي بأكمله. وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن يصبح استهداف الدولة عبر استهداف الثقة في مؤسساتها؟
وإننا حين نتحدث عن استهداف الدولة المغربية، فإن الحديث عن الملكية يصبح حتميًا، باعتبارها المؤسسة المركزية في بنية النظام السياسي المغربي. لكن يجب هنا التفريق بين النقد السياسي المشروع وبين استهداف المؤسسة الملكية كجزء من مشروع لزعزعة الدولة.
فالملكية، في السياق المغربي، ليست مجرد مؤسسة دستورية من بين مؤسسات أخرى؛ إنها عنصر محوري في توازن النظام السياسي، وأي محاولة لتقويض شرعيتها أو ضرب الثقة العامة فيها يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز شخص الملك إلى طبيعة الدولة نفسها. ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: من ينتقد الملكية؟
فالانتقاد حق، والنقد السياسي جزء من أي مجتمع حي. السؤال الأخطر هو: هل توجد مشاريع أو شبكات أو مصالح تسعى إلى تحويل التذمر المشروع من اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية إلى أداة لضرب الدولة من الداخل؟
وهنا تصبح حماية الملكية، مرتبطة أيضًا بحماية أسباب الثقة فيها، وهي العدالة، والحكامة، والمحاسبة، وتكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد. فلا شيء يضعف أي مؤسسة أكثر من أن يشعر المواطن بأن هناك فجوة بين الخطاب والممارسة، أو أن القانون لا يطبق بالصرامة نفسها على الجميع، أو أن بعض أصحاب النفوذ يستطيعون الوصول إلى ما لا يستطيع المواطن العادي الوصول إليه. وهنا نصل إلى الحلقة التي كثيرًا ما يتم تجاهلها: أن حماية المَلَكية والشرعية السياسية لا تتم بالتحصين القانوني أو الإجراءات الفوقية وحدها، بل بالرضا الشعبي والشعور بالعدالة. إن المؤسسة المَلَكية، بصفتها الضامنة لاستقرار الدولة، تحتاج إلى إطار مؤسساتي ناهض يحمي نبل غاياتها؛ لأن تآكل الثقة في أجهزة الدولة وتطبيق القانون يلقي بظلاله على النظام برمته. وعليه، فحماية المَلَكية تقتضي بالضرورة ربط القرار بالمسؤولية، وإغلاق الفجوة بين الخطاب السامي والممارسة الميدانية، ومواجهة كل مظاهر التمييز والفساد، لتظل المَلَكية الملاذ الآمن للعدالة والمظلة التي يتساوى تحتها الجميع دون استثناء.
فلاش: أرى أن الأمر اليوم لا يتعلق بخلاف حول التطبيع، ولا بسجال سياسي بين مؤيد ومعارض. القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها قضية دولة تخوض معركة الحفاظ على استقلال قرارها في عالم لم تعد فيه السيادة تُقاس فقط بعدد الجنود والأسلحة، وإنما أيضًا بمدى استقلال الاقتصاد، وصلابة المؤسسات، ونزاهة النخب، ووعي المجتمع، وقدرة الدولة على حماية قرارها من كل أشكال الضغط والنفوذ.
لقد حذرنا في مقالات عديدة من أن التطبيع لن يبقى مجرد صورة دبلوماسية أو اتفاق سياسي، وأن تمدده إلى قطاعات متعددة سيطرح، عاجلًا أم آجلًا، أسئلة صعبة حول حدود النفوذ وحول ما إذا كان المغرب هو الذي يوظف هذه العلاقات لخدمة مصالحه، أم أن هذه العلاقات قد تتحول تدريجيًا إلى مدخل لتوسيع نفوذ الآخرين داخله. واليوم، بعد أن أصبحت مظاهر التطبيع أكثر حضورًا في المشهد المغربي، لم يعد من الحكمة إسكات هذه الأسئلة بالتخوين أو الاتهام بالعمالة أو بمعاداة الانفتاح.
من يحب المغرب لا يخاف على المغرب من الأسئلة. بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الدفاع عن الدولة إلى ذريعة لحماية الفساد، وأن يتحول الدفاع عن المؤسسات إلى ستار لحماية أصحاب النفوذ، وأن يتحول الحديث عن الاستقرار إلى مبرر لتأجيل الإصلاح إلى ما لا نهاية. فالاستقرار الحقيقي لا يبنى بالصمت، والسيادة لا تحمى بالشعارات، والملكية لا تقوى إلا بثقة الشعب، والدولة لا تصبح منيعة إلا عندما يشعر المواطن أن القانون فوق الجميع، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن الوطن ليس مجالًا مفتوحًا لتقاطع مصالح أصحاب النفوذ.
ومن هنا، فإن حماية المغرب من أي اختراق خارجي تبدأ قبل كل شيء من تحصينه من الداخل. تحصينه من الفساد. من الريع.من تضارب المصالح.من الإفلات من المحاسبة.من تهميش الكفاءات.ومن اتساع الهوة بين الدولة والمجتمع.

