
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
من موقع المتابعة عن بُعد، وبعينٍ لم تعد تُخدَع بسهولة بخطابات التجميل، تبدو صورة المغرب اليوم أكثر تعقيدًا مما تُسوِّقه الروايات الرسمية. ثلاثة معطيات صادمة، صدرت في تقارير متفرقة، تكفي وحدها لرسم لوحة قاتمة، تراجع مقلق في حرية الصحافة، اقتصاد مثقل بأعطاب بنيوية، وتركيز متزايد للثروة في يد فئة محدودة. ثلاثية ليست عابرة، بل تعكس اختلالًا عميقًا في بنية السلطة والثروة والتعبير. أن يحتل المغرب الرتبة 105 في مؤشر حرية الصحافة، فذلك ليس مجرد رقم عابر في تقرير دولي، بل شهادة على واقع يُضيَّق فيه على الأصوات المستقلة، ويُدجَّن فيه الإعلام ليكون صدى للسلطة بدل أن يكون رقيبًا عليها. الإعلام الذي يُفترض أن يكون مرآة للمجتمع، تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة تلميع، أو إلى ساحة مُحاصَرة تُدار فيها المعارك ضد الصحفيين بدل الفساد. وعندما يُخضع الإعلام، يُفتح الباب واسعًا أمام تغوّل باقي السلط دون مساءلة أو محاسبة. في موازاة ذلك، يأتي تقرير البنك الدولي ليؤكد ما يلمسه المواطن يوميًا، اقتصاد لا يُنتج ما يكفي من فرص الشغل، ونموّ لا ينعكس عدلاً على المجتمع. الحديث عن “عوائق هيكلية” ليس توصيفًا تقنيًا بريئًا، بل هو تعبير مُلطّف عن فشل سياسات عمومية في كسر حلقة الريع، وفي بناء نموذج اقتصادي يُكافئ الكفاءة بدل القرب، ويُشجع الإنتاج بدل الاحتكار. والنتيجة واضحة، بطالة مستفحلة، خاصة في صفوف الشباب، وفجوة تتسع بين الوعود والواقع. لكن المفارقة الأكثر قسوة تتجلى في الرقم التالي: 432″ شخصًا” فقط يملكون ثروات فائقة في بلد يتزايد فيه عدد الفقراء والمهمّشين. هنا لا نتحدث عن نجاح فردي مشروع، بل عن تمركز غير طبيعي للثروة، يطرح أسئلة محرجة حول مصادرها، وحول عدالة توزيعها، وحول دور الدولة في ضبط قواعد اللعبة. كيف يمكن لاقتصاد يعاني من أعطاب بنيوية أن يُنتج في الآن نفسه هذه القلّة فائقة الثراء؟ ومن يدفع الثمن؟ وماذا يعني أن تتمركز الثروة في يد قلّة، بينما تتسع دائرة الفقر والهشاشة؟
هذا يعني ببساطة أن هناك خللاً في ميزان العدالة، وأن الثروة لا تُنتَج وتُوزَّع وفق قواعد شفافة، بل تُعاد صياغتها داخل دوائر مغلقة. يعني أن السياسات العمومية، بدل أن تكون أداة لتقليص الفوارق، قد تتحول – بقصد أو بدونه – إلى آلية لإعادة إنتاجها. ويعني أيضًا أن الاستقرار الذي يُتغنّى به هشّ، لأنه مبني على اختلالات عميقة قابلة للانفجار في أي لحظة. كمغربي يعيش خارج الوطن، لا أكتب من موقع التشفي، بل من منطلق الغيرة على بلد يستحق أفضل من هذا المسار. فالمغرب ليس فقيرًا في موارده، ولا عاجزًا في طاقاته البشرية، لكنه يظل رهينة اختيارات تُضيّق على الحرية، وتُعطّل الاقتصاد الحقيقي، وتُغذّي اقتصاد الامتيازات. إن أي حديث عن تنمية حقيقية يمر أولاً عبر تحرير الإعلام، لأنه شرط أساسي لكشف الاختلالات. ويمر ثانيًا عبر إصلاح اقتصادي عميق يُنهي منطق الريع ويُطلق دينامية الإنتاج. ويمر أخيرًا عبر إعادة توزيع الثروة، تضمن الكرامة للمواطن، لا مجرد الحد الأدنى من البقاء. غير ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة، حيث التقارير الدولية تُدين، والخطابات الرسمية تُبرّر، والواقع اليومي المعيش، يزداد قسوة على من لا يملكون شيئًا، في وطن يملك كل شيء. بطبيعة الحال، لن يكون هناك “حل سحري” يغيّر هذا الواقع بقرار واحد، لأن الاختلالات بنيوية ومترابطة. لكن يمكن رسم مسار إصلاحي واقعي إذا توفرت الإرادة السياسية، يقوم على ثلاث جبهات متوازية هي الحرية، والاقتصاد، والعدالة. أولاً، تحرير المجال الإعلامي والقضائي ليس ترفًا ديمقراطيًا بل شرطًا لباقي الإصلاحات. لا يمكن محاربة الفساد أو كسر اقتصاد الريع دون صحافة قادرة على الكشف، وقضاء مستقل يحاسب دون انتقائية. أي إصلاح يبدأ من هنا، وإلا سيبقى مجرد شعارات تُستهلك. ثانيًا، تفكيك اقتصاد الامتيازات، فالمشكلة في المغرب ليست فقط نقص الثروة، بل كيفية توزيع الفرص. يجب الانتقال من اقتصاد “القرب والنفوذ” إلى اقتصاد تنافسي شفاف، حيث تُفتح الأسواق أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة، ويُحاربة الاحتكار، ربط المسؤولية بالمحاسبة في الصفقات العمومية، وتوجيه الاستثمار نحو قطاعات منتجة للتشغيل لا فقط مشاريع استعراضية أو ريعية. ثالثًا، إصلاح جبائي واجتماعي جريء. لا يعقل أن تتراكم الثروات بشكل هائل بينما تتحمل الطبقات الوسطى والفقيرة العبء الأكبر. المطلوب نظام ضريبي أكثر عدالة (من يربح أكثر يساهم أكثر)، مع توجيه حقيقي للموارد نحو التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، لا فقط أرقام في الميزانيات. رابعًا، الاستثمار في الإنسان بدل تهميشه، فالبطالة، خاصة لدى الشباب، ليست رقمًا بل قنبلة مؤجلة. الحل يمر عبر تعليم مرتبط بسوق الشغل، دعم ريادة الأعمال الحقيقية، وليس برامج شكلية تُعلن ثم تختفي دون أثر. وأخيرًا، وربما الأهم، إن بداية الطريق تكون بإعادة بناء الثقة، فالدولة التي لا يُسمع فيها صوت المواطن، ولا يُرى فيها أثر العدالة، تفقد تدريجيًا شرعيتها المعنوية. ثمّ بفتح قنوات حقيقية للنقاش، وإشراك الكفاءات (داخل المغرب وخارجه)، وبالقطع مع منطق “نحن نقرر وأنتم تصفقون” ليصبح “نحن نقرر وأنتم تنفذون” كما ينصّ على ذلك الدستور. فالمشكلة ليست في غياب الحلول، بل في كلفة تطبيقها على مراكز النفوذ. الإصلاح الحقيقي يعني أن هناك من سيفقد امتيازاته، وهنا تحديدًا يُختبر صدق الإرادة. وإذا لم يحدث ذلك، فكل ما سنراه هو إدارة للأزمة، لا حلّ لها، وتأجيلٌ لما لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. فلاش: في ظل هذا المشهد المختل، لم يعد الأمر مجرد أرقام في تقارير دولية أو مؤشرات تُدرج في أرشيف المؤسسات، بل أصبح إنذارًا صريحًا يُدقّ في وجه الجميع. فحين يُخنق الإعلام، ويُعطَّل الاقتصاد الحقيقي، وتُحتكَر الثروة في يد قلّة، فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام مسار خطير يُقوِّض أسس الثقة بين الدولة والمجتمع. وإنّ أي استمرار في تجاهل هذه الحقائق هو لعب بالنار، لأن اتساع الفجوة بين القلّة المترفة والأغلبية المقهورة ليس مجرد خلل اقتصادي، بل شرخ اجتماعي مرشح لأن يتحول إلى لحظة انفجار. فهل تُدرك الجهات المعنية ذلك؟ أم أن منطق الإنكار سيستمر إلى أن تُفرض الإجابة من الشارع بدل أن تُصاغ داخل مؤسسات مسؤولة؟

