
“سنوات ونحن نكتب، وسنوات وهم يقولون: أنتم تبالغون، حتى جاء تقرير بنك المغرب ليقول: إن الواقع أكثر قسوة مما يظنون.”
كلما نشرتُ مقالا أنتقد فيه اختلالات تدبير الشأن العام في وطني، أو استندت إلى تقارير وطنية ودولية لتشخيص واقع المغرب، خرجت الأقلام نفسها لتوزع شهادات الوطنية كما تشاء. فهذا يتهمني بخدمة أجندات أجنبية، وذاك يصف كتاباتي بالمزايدات والإشاعات، وثالث يصنفني ضمن “العدميين” الذين يعيشون على أطلال الماضي، بينما يطالبني آخر بنزع “النظارة السوداء” حتى أرى، كما يقول، مغرب الإنجازات الكبرى والنجاحات الباهرة.
ولم يسأل أحد منهم سؤالا بسيطا: ماذا لو كانت الأرقام هي التي تتكلم؟ وماذا لو كانت المؤسسات الرسمية نفسها هي التي تؤكد ما نكتبه منذ سنوات؟
لقد كتبت عن الفساد الذي استوطن مؤسسات الدولة، وعن الرشوة التي أصبحت تنخر الإدارة، وعن اقتصاد الريع الذي يلتهم فرص التنمية، وعن الصفقات العمومية التي تتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة للإثراء غير المشروع، وطالبت، كما طالب غيري من الغيورين على هذا الوطن، بربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل القانون في حق كل من ثبت تورطه في تبديد المال العام أو استغلال النفوذ.
وكتبت عن العدالة، باعتبارها صمام أمان الدولة، وعن ضرورة أن تكون مستقلة وقادرة على حماية الحقوق ومواجهة الفساد، لأن أي مشروع تنموي لا يمكن أن ينجح في غياب قضاء قوي يطبق القانون على الجميع دون استثناء.
كما تناولت واقع الأحزاب السياسية والنقابات، بعدما فقد كثير منها وظيفته التأطيرية وأصبح، في نظر فئات واسعة من المواطنين، مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب والمصالح، بدل أن يكون مدرسة للديمقراطية وخدمة الصالح العام.
وتوقفت مرارا عند الدور الرقابي للبرلمان، الذي منحه الدستور صلاحيات واسعة لمراقبة العمل الحكومي، غير أن الممارسة كشفت في محطات عديدة عن محدودية هذا الدور في التصدي لاختلالات التدبير والفساد، رغم توفر الآليات الدستورية والقانونية لذلك.
لم أكتب كل ذلك بدافع الخصومة مع أحد، ولا سعيا إلى الإثارة أو تصفية الحسابات، وإنما لأنني أحلم بمغرب أجمل؛ مغرب لا يكون فيه القانون انتقائيا، ولا تتحول الثروة إلى امتياز تحتكره قلة، ولا يشعر المواطن بأن العدالة الاجتماعية مجرد شعار يرفع في المناسبات.
أحلم بوطن تكون فيه مصلحة المغرب فوق كل اعتبار، وطن يحتضن جميع أبنائه، مهما اختلفت آراؤهم وانتماءاتهم، ويعتبر النقد الصادق مساهمة في البناء لا جريمة تستوجب التخوين والتشهير.
وأحلم بدولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقوانينها، مزدهرة باقتصادها، يشعر فيها المواطن أن ثمار التنمية تصل إلى الجميع، لا أن تبقى حبيسة التقارير والخطب والشعارات.
واليوم، جاء التقرير السنوي الذي رفعه والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، إلى جلالة الملك محمد السادس حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية برسم سنة 2025، ليؤكد أن كثيرا من التحديات الاقتصادية والاجتماعية لا تزال قائمة، وأن معالجة البطالة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين فعالية السياسات العمومية، تظل من بين الرهانات الكبرى التي تواجه بلادنا.
إن قيمة هذا التقرير لا تكمن فقط في تشخيصه للأوضاع، بل في كونه صادرا عن مؤسسة وطنية مستقلة، تقدم قراءة مبنية على الأرقام والمؤشرات، بعيدا عن لغة الدعاية أو المزايدات السياسية. ولذلك، فإن الرسائل التي تضمنها تستحق أن تتحول إلى خارطة طريق للإصلاح، لا أن تبقى مجرد وثيقة تضاف إلى أرشيف المؤسسات.
لقد أثبتت السنوات أن كثرة المشاريع لا تعني بالضرورة جودة السياسات، وأن النمو الاقتصادي يفقد معناه عندما لا ينعكس على فرص الشغل، ولا يحد من الفوارق الاجتماعية، ولا يحسن القدرة الشرائية للمواطنين.
إن المغاربة لا يطالبون بالمستحيل، ولا يحلمون بمدينة فاضلة، وإنما يريدون دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكافؤ الفرص حقا لا امتيازا، والكرامة الإنسانية أساس كل سياسة عمومية.
إن حب الوطن لا يقاس بحجم التصفيق، وإنما بامتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بأخطائه والعمل على تصحيحها. فالأوطان لا تنهض بالمنافقين، بل بالمخلصين الذين يصدقونها القول، ولو كان مرا.
لقد آن الأوان أن تتحول التقارير الرسمية إلى قرارات، وأن تتحول التشخيصات إلى إصلاحات، وأن تتحول الوعود إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية. فالمغرب لا تنقصه الإمكانات، وإنما يحتاج إلى حكامة رشيدة، وإرادة سياسية قوية، وإدارة تجعل خدمة المواطن غايتها الأولى، لا خدمة المصالح الضيقة.
وسيظل من حقنا أن نحلم بمغرب جميل… مغرب لا يخاف من الحقيقة، لأن الحقيقة هي أول الطريق إلى الإصلاح، ولا يخشى النقد، لأن النقد الصادق هو أعلى درجات الوفاء للوطن. وسنبقى نردد، بكل إيمان، أن الأوطان العظيمة لا يبنيها المصفقون، وإنما يبنيها الأحرار الذين يؤمنون بأن مستقبل المغرب يستحق أن ندافع عنه بالكلمة الصادقة، والموقف المسؤول، والإرادة التي لا تنكسر.
فلاش: وليعلم الذين اعتادوا تخوين كل صوت ناقد أن الأرقام لا تُخوَّن، وأن التقارير الرسمية لا تُتَّهم بالعدمية، وأن الحقيقة لا يمكن حجبها إلى الأبد. لقد أثبت تقرير والي بنك المغرب أن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من المصفقين، بل إلى مسؤولين يملكون شجاعة الاعتراف قبل فوات الأوان. فالتاريخ لا يرحم من أضاعوا الفرص، ولا الشعوب تغفر لمن جعلوا من السلطة غاية بدل أن يجعلوا منها أمانة. وسيبقى حلمنا بمغرب العدل والكرامة والشفافية أكبر من كل حملات التشويه، لأن الأوطان لا تُبنى بالأوهام، وإنما تُبنى بالحقيقة، مهما كانت مُرّة.

