
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
عندما بلغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم بقطر سنة 2022، لم يكن الأمر مجرد إنجاز رياضي عابر، بل كان حدثًا تاريخيًا هزّ العالم وأعاد رسم صورة المغرب في المخيلة الدولية. لأول مرة في تاريخ المنتخبات العربية والإفريقية يصل منتخب إلى هذا الدور المتقدم، متجاوزًا مدارس كروية عريقة ومنتخبات مدججة بالنجوم والإمكانات. لكن ما كان لافتًا في ذلك الإنجاز الاستثنائي ليس فقط النتائج المحققة، بل هوية صانعيها. فقد كان المنتخب المغربي في غالبيته مكوّنًا من أبناء مغاربة العالم، أولئك الذين وُلدوا أو نشؤوا خارج أرض الوطن، لكن قلوبهم بقيت معلقة بالمغرب، يحملون رايته بفخر ويصدحون بنشيده الوطني بصدق مؤثر أبكى الملايين. واليوم، يتجدد الإعجاب العالمي بهذا المنتخب في المنافسات الدولية الحالية، خصوصًا بعد الأداء المثير أمام منتخب البرازيل، أحد أعظم المنتخبات في تاريخ كرة القدم العالمية. فقد أبان اللاعبون المغاربة عن مستوى فني وتقني راقٍ، جعل الصحافة الدولية تشيد بانضباطهم التكتيكي، وبمهاراتهم الفردية والجماعية، وبقدرتهم على منافسة كبار العالم دون عقدة نقص أو خوف من الأسماء اللامعة. وإذا كان الفضل في هذه النجاحات يعود إلى اللاعبين، فإنه يعود أيضًا إلى مدربين استطاعا كتابة صفحات مضيئة في تاريخ الكرة المغربية؛ المدرب السابق وليد الركراكي الذي قاد ملحمة قطر التاريخية، والمدرب الحالي الذي يواصل البناء على ما تحقق ويؤكد أن ما وقع لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل ثمرة عمل ورؤية وإرادة جماعية. والأكثر إثارة للإعجاب أن هؤلاء اللاعبين لم يأتوا إلى المنتخب بحثًا عن المال أو الامتيازات. فقد اعترف رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بأن لاعبي المنتخب يضحون بالكثير من أجل تمثيل المغرب، وأن اختيارهم حمل القميص الوطني لم يكن قرارًا ماديًا بقدر ما كان قرارًا وجدانيًا نابعًا من الانتماء والوفاء للوطن. لقد اختاروا المغرب لأنهم يؤمنون بأنه جزء من هويتهم، ولأنهم يريدون رد الجميل لبلد الآباء والأجداد. غير أن قصة النجاح هذه لا ينبغي أن تُختزل في كرة القدم وحدها. فمغاربة العالم أثبتوا تفوقهم في مختلف الميادين العلمية والاقتصادية والتكنولوجية والطبية والثقافية. ففي كبريات الجامعات العالمية، ومراكز البحث العلمي، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الدولية، يبرز آلاف المغاربة بكفاءات استثنائية وبمسارات مهنية تثير الإعجاب والاحترام. إنهم علماء ومهندسون وأطباء وخبراء ومديرون ومبتكرون نجحوا في بيئات تنافسية شديدة الصعوبة، وراكموا خبرات ثمينة يمكن أن تشكل قيمة مضافة حقيقية لوطنهم الأم. والأكيد أن الغالبية الساحقة منهم لا تزال تحتفظ برغبة صادقة في خدمة المغرب والمساهمة في نهضته التنموية متى فُتحت أمامها الأبواب وأُزيلت العراقيل. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا العطاء الكبير يقابله، في كثير من الأحيان، شعور متزايد بالجحود والإقصاء. فبينما ينص الدستور المغربي على توسيع مشاركة مغاربة العالم وتمكينهم من حقوق المواطنة الكاملة، وبينما تتكرر في الخطب الرسمية الدعوات إلى إشراكهم والاستفادة من كفاءاتهم وخبراتهم، فإن الواقع لا يزال بعيدًا عن مستوى هذه التطلعات. فما زالت مطالب التمثيلية السياسية الحقيقية، والمشاركة الفعلية في صناعة القرار، والاستفادة المنظمة من الكفاءات المغربية بالخارج، تراوح مكانها منذ سنوات طويلة. إن ما يطلبه مغاربة العالم ليس امتيازات خاصة، بل فقط الاعتراف الكامل بمواطنتهم، وترجمة المقتضيات الدستورية والتوجيهات الملكية إلى سياسات ومؤسسات وآليات عملية. فمن غير المنطقي أن يُحتفى بهم عندما يرفعون راية المغرب في الملاعب العالمية، ثم يُهمّشوا عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في بناء السياسات العمومية أو المساهمة في رسم مستقبل البلاد. لقد أثبت أبناء الجالية المغربية في قطر، وفي الملاعب العالمية، وفي المختبرات والجامعات والشركات الكبرى، أنهم ثروة وطنية لا تقدر بثمن. وما حققوه من إنجازات يؤكد أن المغرب يملك في أبنائه المنتشرين عبر العالم قوة بشرية هائلة قادرة على الإسهام في نهضته الشاملة. فإذا كانت كرة القدم قد نجحت في جمع المغرب بمغاربة العالم تحت راية واحدة، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو أن تنجح السياسة والمؤسسات في تحويل هذا الانتماء العاطفي إلى شراكة وطنية كاملة، قائمة على الحقوق والواجبات والاحترام المتبادل. لأن الوطن الذي يفتخر بأبنائه عندما ينتصرون، عليه أيضًا أن ينصفهم عندما يطالبون بحقوقهم. ولأن مغاربة العالم لم يترددوا يومًا في حمل راية المغرب إلى أعلى المنصات، فإن أقل ما يستحقونه هو أن يجدوا أبواب وطنهم مفتوحة أمامهم بنفس القدر من الحب الذي يحملونه له في قلوبهم. وإذا كان العالم قد انبهر بما حققه أبناء الجالية المغربية في ملاعب قطر وفي المنافسات الدولية الكبرى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: لماذا نثق فيهم عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن ألوان الوطن في المحافل الرياضية، ونتردد في الثقة بهم عندما يتعلق الأمر بالمساهمة في صناعة مستقبله؟ لقد أثبت مغاربة العالم، مرة بعد أخرى، أنهم ليسوا مجرد خزّان للعملة الصعبة ولا جسرًا موسميًا للسياحة الصيفية، بل هم طاقات بشرية واستراتيجية هائلة، تحمل معها العلم والخبرة والكفاءة والعلاقات الدولية. وقد أثبتوا، بالأفعال لا بالأقوال، أن ارتباطهم بالمغرب ليس ارتباط مصلحة عابرة، بل انتماء راسخ لا تضعفه المسافات ولا تغيره جنسيات الإقامة. إن أعظم درس قدمه المنتخب المغربي للعالم ليس فقط أنه قادر على هزم كبار المنتخبات، بل إن المغرب ينتصر كلما فتح المجال للكفاءة، بغض النظر عن مكان ولادتها أو إقامتها. وما دام أبناء الجالية قادرين على رفع العلم المغربي فوق منصات المجد الرياضي والعلمي والاقتصادي، فإن من حقهم أن يجدوا لأنفسهم مكانًا طبيعيًا في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه. فالأوطان القوية لا تبني أسوارًا بين أبنائها، بل تبني جسورًا نحو كفاءاتهم. والتاريخ لا يرحم الأمم التي تهدر ثرواتها البشرية. أما مغاربة العالم، فقد أدوا ما عليهم من واجب تجاه وطنهم، وبقي السؤال معلقًا أمام من يملكون القرار: متى يتحول الاحتفاء الرمزي بمغاربة العالم إلى إنصاف سياسي ومؤسساتي حقيقي؟ ومتى تصبح المواطنة الكاملة حقًا ممارسًا لا وعدًا مؤجلًا؟ إن راية المغرب التي رفعها أبناء الجالية عاليًا في ملاعب العالم، تستحق أن ترفرف أيضًا فوق عهد جديد من الثقة والإنصاف والمشاركة. وما دون ذلك سيبقى جحودًا لا يليق بوطن يملك من أبنائه في الداخل والخارج ما يكفي لصناعة مستقبل أكثر قوة وعدالة وكرامة.
فلاش: غير أن الإنصاف يقتضي ألا يقتصر التكريم على هؤلاء الأبطال وحدهم، بل أن يمتد أيضًا إلى الآباء والأمهات الذين غرسوا في نفوسهم حب المغرب منذ نعومة أظافرهم. فخلف كل لاعب اختار الدفاع عن ألوان الوطن، توجد أسرة حافظت على الذاكرة المغربية حية داخل بيوت المهجر، وعلّمت أبناءها أن الانتماء ليس مجرد وثيقة إدارية أو مكان ولادة، بل هو تاريخ وهُوية ووفاء للأرض التي انطلق منها الآباء والأجداد. لقد تحمل هؤلاء الآباء والأمهات مشقة التربية بين ثقافتين، وحرصوا على أن يبقى المغرب حاضرًا في وجدان أبنائهم ولغتهم وعاداتهم وأحلامهم.
ولعل قصة اللاعب أيوب بوعدي تقدم نموذجًا معبرًا عن هذا الارتباط العميق. فقد ظل والداه يرافقانه إلى الملاعب منذ طفولته المبكرة، وهو يحمل العلم المغربي بكل فخر، في مشهد يلخص حجم العمل الصامت الذي قامت به آلاف الأسر المغربية في المهجر. فقبل أن تكتشف الأندية موهبته، وقبل أن تتنافس المنتخبات على استقطابه، كان حب المغرب قد استقر في قلبه بفضل تربية أسرية جعلت من الانتماء للوطن قيمة لا تقبل المساومة. ولذلك فإن الإنجازات التي يحققها أبناء الجالية اليوم ليست فقط انتصارًا لمواهب فردية استثنائية، بل هي أيضًا ثمرة نجاح الآباء والأمهات المغاربة، في نقل حب الوطن إلى الأجيال الجديدة رغم بعد المسافات واختلاف البيئات. “ولهذا فإن الدولة التي تحتفي اليوم بأبناء الجالية في الملاعب، مطالبة أيضًا بأن تعترف بالدور الوطني الكبير الذي أدته أسرهم في حفظ الهُوية المغربية عبر الأجيال، وهي مَهمّة وطنية لم تنجح فيه أحيانًا مؤسسات كاملة بما تملكه من إمكانيات ووسائل.”

