
بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا
لم يعد الحديث عن تغول نخبة سياسية واقتصادية تستفرد بخيرات الوطن مجرد موقف معارض أو رأي سياسي قابل للنقاش، بل أصبح حقيقة تتردد على ألسنة المغاربة داخل الوطن وخارجه، وتنعكس في تقارير وطنية ودولية، وفي الشعور العام المتزايد بانسداد الأفق وانعدام العدالة الاجتماعية. فهناك إجماع واسع على أن جزءاً مهماً من الثروة الوطنية أصبح رهينة في يد أقلية نافذة راكمت النفوذ السياسي والاقتصادي في آن واحد، وحولت مواقع المسؤولية العمومية إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة بدل خدمة الصالح العام.
لقد كان المغاربة ينتظرون من البرلمان أن يكون مؤسسة دستورية تمارس الرقابة على الحكومة وتحاسب المسؤولين عن تدبير المال العام، غير أن الواقع يكشف في كثير من الأحيان عن اختلال عميق في ميزان السلطة، حيث تحولت الأغلبية الحكومية إلى جدار سياسي يحول دون أي مساءلة حقيقية، وإلى آلية لتبرير السياسات العمومية مهما كانت نتائجها الاجتماعية والاقتصادية كارثية على المواطنين.
والأخطر من ذلك أن هذا التمركز غير المسبوق للسلطة والنفوذ داخل يد نخبة محدودة بات يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل دولة المؤسسات. فبدل أن يتم تطوير الترسانة القانونية لمحاصرة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع ونهب المال العام، يجد المغاربة أنفسهم أمام محاولات متكررة لإفراغ بعض النصوص من مضمونها الرقابي، أو تعطيل مبادرات كان من شأنها تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الدستور المغربي لم يترك مجالاً للالتباس في هذا الباب. فقد نص بوضوح على مبادئ الحكامة الجيدة والمساءلة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل من مكافحة الفساد أولوية وطنية لضمان الثقة بين الدولة والمجتمع. غير أن الفجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية ما تزال واسعة، الأمر الذي يغذي شعوراً متنامياً لدى المواطنين بأن بعض مراكز النفوذ أصبحت أقوى من آليات الرقابة والمحاسبة.
ولعل أخطر ما تواجهه البلاد اليوم ليس فقط استمرار الفساد أو الريع، بل التطبيع معه وتحويله إلى أمر عادي في الحياة العامة. فعندما يشاهد المواطن أن المتورطين في شبهات الفساد يواصلون ممارسة السلطة والنفوذ دون مساءلة، وعندما يرى أن البرلمان الذي يفترض فيه الدفاع عن مصالح الشعب يتحول إلى حصن سياسي لحماية أصحاب الامتيازات، فإن الثقة في المؤسسات تتعرض لضربات متتالية قد تكون آثارها أخطر من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية.
إن الوطن لا يمكن أن يبنى بمنطق الاحتكار والاستحواذ، ولا يمكن أن يحقق نهضته في ظل اقتصاد ريعي يراكم الأرباح لفائدة فئة محدودة بينما تتسع دائرة الفقر والهشاشة والبطالة. فالدول القوية لا تقاس بحجم المشاريع والإعلانات الرسمية فقط، بل بقدرتها على فرض العدالة بين مواطنيها وعلى إخضاع الجميع، مهما كانت مواقعهم، لسلطان القانون.
ومن موقعنا كمغاربة العالم، الذين يحملون الوطن في قلوبهم رغم البعد الجغرافي، نشعر بقلق بالغ إزاء هذا المسار. فالمغاربة الذين يساهمون في الاقتصاد الوطني بتحويلاتهم واستثماراتهم ينتظرون مغرباً تسوده المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص، لا مغرباً تتحكم فيه شبكات المصالح والامتيازات المغلقة.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أغلبية ومعارضة، ولا بين حكومة ومنتقديها، بل بين من يريد دولة المؤسسات والقانون، ومن يريد استمرار دولة الامتيازات والريع. وبين من يؤمن بأن الثروة الوطنية ملك لجميع المغاربة، ومن يعتبرها غنيمة تحتكرها أقلية محظوظة.
وفي النهاية، فإن أكبر خطر لا يكمن في وجود الفساد فحسب، بل في تحوله إلى منظومة محمية سياسياً وتشريعياً. وعندما تصبح المؤسسات التي يفترض أن تحاسب الفساد جزءاً من آليات حمايته، فإن الوطن كله يصبح الخاسر الأكبر. وسيظل السؤال الذي يطرحه ملايين المغاربة بإلحاح: متى تتحول المبادئ الدستورية من شعارات مكتوبة في الوثائق الرسمية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية؟ ومتى يستعيد البرلمان دوره الطبيعي كمؤسسة للرقابة والتشريع، لا كحصنٍ لحماية النافذين من المساءلة والمحاسبة؟
إن الأوطان لا تسقط فقط بفعل الحروب الخارجية، بل قد تنهكها أيضاً شبكات الامتيازات التي تحتكر الثروة والقرار، وتحوّل المؤسسات إلى أدوات لخدمة مصالحها الضيقة. فالمغرب الذي حلم به أبناؤه وطناً للعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص لا يمكن أن يستقيم في ظل اقتصاد ريعي يزداد تغولاً، ولا في ظل مؤسسات تُفرغ من أدوارها الرقابية والدستورية. إن معركة المغاربة اليوم ليست من أجل امتيازات جديدة، بل من أجل استرجاع المعنى الحقيقي للدولة: دولة القانون لا دولة النفوذ، دولة المواطنين لا دولة المحظوظين، ودولة المحاسبة لا دولة الإفلات من العقاب. والتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر طويلاً على ضيق العيش، لكنها لا تصبر إلى ما لا نهاية على الشعور بالظلم.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات ليس انتشار الفساد في حد ذاته، بل صمت النخب التي يفترض فيها أن تتصدى له. وفي هذا السياق تستوقفنا الآية الكريمة: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾، وهي ليست مجرد استحضار لخبر الأمم السابقة، بل رسالة خالدة تؤكد أن بقاء الأوطان وازدهارها مرتبط بوجود رجال ونساء يملكون الشجاعة الأخلاقية للوقوف في وجه الفساد والانحراف. فالآية الكريمة تحمل في طياتها نوعاً من العتاب والاستنكار للأمم التي تركت المفسدين يعبثون بمصالح الناس دون رادع، حتى استشرى الفساد وأصبح جزءاً من بنيتها. واليوم، ونحن نرى تنامي الشعور بالظلم واتساع الهوة بين النصوص الدستورية والممارسات الواقعية، يصبح واجباً على كل صاحب ضمير، من مسؤول ومثقف وإعلامي وفاعل مدني، أن يكون من “أولي البقية” الذين يدافعون عن المصلحة العامة ويرفضون التطبيع مع الفساد والريع، لأن الصمت عن الفساد ليس حياداً، بل مساهمة غير مباشرة في استمراره وترسيخه.
فلاش: وفي النهاية، فإن القضية ليست صراعاً بين أشخاص أو أحزاب، بل هي معركة بين منطقين متناقضين: منطق يعتبر الوطن ملكاً لجميع أبنائه، ومنطق يتعامل معه باعتباره غنيمة تتقاسمها دوائر النفوذ والامتياز. لقد حذر الله تعالى من عواقب الصمت عن الفساد حين قال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾، لأن الأمم لا تنهار حين يكثر فيها المفسدون فقط، بل حين يقل فيها من يملكون الشجاعة لمواجهتهم.
والمغرب اليوم في حاجة إلى مؤسسات قوية لا تخضع للنفوذ، وإلى نخب وطنية تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وإلى إرادة سياسية تجعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة حقيقة ملموسة لا مجرد شعار دستوري. أما الاستمرار في حماية الفساد والتطبيع مع الريع والتغاضي عن تضارب المصالح، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسساته، وإلى استنزاف الثقة التي تشكل الرأسمال الحقيقي لأي دولة.

