بقلم: الصحافي أمين بوشعيب/إيطاليا

“ليست الهجرة هي التي تهدد الأوطان، بل اليأس الذي يجعل أبناءها يرون الرحيل خلاصًا. فالوطن الحقيقي ليس فقط أرضًا نولد فيها، بل مساحة أمل نختار أن نبقى فيها، لا أن نغادرها إلى الأبد “
لم تكن صورة الطفلة المغربية التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي وهي ترفع علامة النصر، بعد أن نجت من أمواج البحر ووصلت سباحة إلى مدينة سبتة المحتلة، مجرد لقطة عابرة أو خبر من أخبار الهجرة السرية، بل كانت صفعةً أخلاقية هزت الضمير، وصرخةً مدويةً اختزلت مأساة وطن بأكمله. لم أر فيها طفلةً تحتفل بالنجاة من الغرق، بل رأيت جيلاً كاملاً يحتفل بالفرار من اليأس، ويعلن انتصاره الوحيد على واقع لم يترك له سوى البحر طريقًا للخلاص.
لقد أعادتني تلك الصورة سنوات طويلة إلى الوراء، إلى اليوم الذي غادرت فيه المغرب، كما غادره آلاف المغاربة قبلي وبعدي، بحثًا عن فرصة للعيش الكريم بعدما ضاقت السبل في أرض أحببناها، لكنها لم تمنح أبناءها ما يكفي من الأمل ليبقوا فيها. يومها كان الوداع مؤلمًا، أما اليوم فأصبح أكثر إيلامًا لأن من يحمل الحلم نفسه لم يعد شابًا في مقتبل العمر، بل طفلة لم تتجاوز سنواتها الأولى، تقارع أمواج البحر بإرادة تفوق عمرها، وكأنها تقول للعالم إن الخطر الحقيقي لم يكن في البحر، بل فيما تركته وراءها.
إن هذه الصورة وحدها تهزم آلاف البلاغات الرسمية، وتنسف أطنانًا من الأرقام المنمقة، وتفضح كل حملات التلميع التي تحاول رسم واقع لا يراه المواطن في حياته اليومية. فما قيمة الحديث عن الإنجازات إذا كان أطفال المغرب وشبابه يرون في الهجرة مشروع حياة، وفي ركوب البحر مخاطرة أقل قسوة من البقاء؟ وما جدوى الاحتفاء بالمؤشرات الاقتصادية إذا كان المواطن لا يجد فيها ما يحمي كرامته أو يفتح أمامه بابًا للأمل؟
من هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا يضطر شباب المغرب، بل وحتى أطفاله، إلى الهروب من بلد يقال إنه يعيش على وقع الإنجازات الكبرى؟ ولماذا يغامرون بأرواحهم في وطن يزخر بالثروات الزراعية والبحرية والمعدنية، ويملك من المؤهلات الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون في مصاف الدول الصاعدة؟
قد يقول قائل إن الهجرة ظاهرة عالمية، وإن شباب كثير من الدول يهاجرون بحثًا عن فرص أفضل، وهذا صحيح. لكن ما ليس طبيعيًا هو أن يتحول الهروب إلى حلم جماعي، وأن يصبح البحر بالنسبة إلى الأطفال والشباب بوابة للأمل، لا مقبرة للخوف. فحين يفقد الإنسان ثقته في أن وطنه قادر على احتضان طموحه، يصبح مستعدًا لمواجهة المجهول، مهما كان ثمنه.
إن الشعوب لا تهاجر بسبب الفقر وحده، بل بسبب غياب الأفق. فكم من دول كانت أفقر من المغرب، لكنها استطاعت أن تمنح أبناءها الثقة في المستقبل، فاختاروا البقاء والمشاركة في البناء. أما حين يشعر المواطن أن فرص النجاح مرتبطة بالمحسوبية والزبونية، وأن الكفاءة لا تكفي، وأن العدالة الاجتماعية تتراجع، فإن الهجرة تتحول من خيار فردي إلى تعبير جماعي عن فقدان الثقة.
وليس من الإنصاف اختزال المشكلة في البطالة وحدها، لأن البطالة ليست سوى وجه من وجوه أزمة أعمق. إنها أزمة تعليم لا يضمن الارتقاء الاجتماعي، وأزمة صحة تستنزف الأسر، وأزمة سكن تثقل كاهل الشباب، وأزمة تفاوتات مجالية تجعل بعض المناطق تشعر بأنها خارج حسابات التنمية. وهي أيضًا أزمة ثقة، حين يشعر المواطن بأن الخطاب الرسمي يرسم صورة لا تشبه ما يعيشه في تفاصيل حياته اليومية.
ولعل أخطر ما في الأمر أن المغرب لا يعاني من فقر في الإمكانات، بل من تحديات في كيفية تحويل هذه الإمكانات إلى فرص يشعر بها المواطن. فهو بلد يمتلك موقعًا جغرافيًا متميزًا، وثروات بحرية وزراعية ومعدنية، ورأسمالًا بشريًا مهمًا، وجالية مغربية في الخارج أثبتت نجاحها في مختلف أنحاء العالم. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا ينجح المغربي عندما تتوفر له بيئة عادلة ومحفزة خارج بلده، بينما يعجز عن تحقيق النجاح نفسه داخل وطنه؟
إن الدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وموانئ وملاعب، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان. فالمشاريع الكبرى تكتسب قيمتها عندما تنعكس على حياة المواطن، وعندما يشعر الشاب بأن له مكانًا في مستقبل بلده، وأن جهده سيكافأ، وأن كرامته مصونة.
ولا أحد ينكر أهمية البنية التحتية أو الاستثمار أو التظاهرات الرياضية الدولية، لكن التنمية الحقيقية تظل ناقصة إذا بقي الإنسان يشعر بأنه آخر من يجني ثمارها. فالغاية من كل السياسات العمومية ليست أن تثير إعجاب الخارج، وإنما أن تمنح المواطن سببًا إضافيًا للبقاء في وطنه.
لقد كانت علامة النصر التي رفعتها تلك الطفلة لحظة مؤلمة؛ لأنها لم تكن احتفالًا بالوصول، بل إعلانًا عن الهروب. وكان الأولى أن ترفعها وهي تتفوق في مدرستها، أو تنجح في مشروع داخل وطنها، أو تحقق حلمًا على أرض المغرب، لا بعد أن تخاطر بحياتها في عرض البحر.
إن الأوطان لا تفشل عندما يغادرها بعض أبنائها، فالهجرة ستظل جزءًا من حركة البشر عبر التاريخ، لكنها تبدأ في مواجهة أسئلة قاسية حين يصبح الرحيل حلمًا جماعيًا، وحين يتحول البقاء إلى عبء، ويصبح الوطن في نظر كثيرين محطة للمغادرة بدل أن يكون فضاءً لتحقيق الأحلام.
ولعل الصورة التي هزت مشاعر المغاربة ليست مجرد قصة طفلة، بل مرآة تعكس سؤالًا مؤلمًا ينبغي أن يُطرح بصدق ومسؤولية: كيف نبني وطنًا يرى فيه أطفاله المستقبل، بدل أن يروا المستقبل في الهروب منه؟ ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يكون في صدارة كل نقاش حول التنمية، لأن أعظم إنجاز يمكن أن تحققه أي دولة ليس بناء الجسور أو الملاعب أو الأبراج، بل أن تجعل أبناءها يرفعون علامة النصر وهم يعبرون نحو مستقبلهم داخل وطنهم، لا وهم يفرون منه عبر أمواج البحر.
فلاش: وأخيرًا… من حق المغاربة أن يسألوا. أين أولئك الذين لا يتوقفون عن تحميل المقاطعين للانتخابات مسؤولية كل أعطاب الحياة السياسية؟ أين الذين يرددون، في كل استحقاق، أن المقاطعة هي أصل الداء، وأن الخلاص لا يكون إلا عبر صناديق الاقتراع؟ إذا كانوا صادقين في حرصهم على الوطن، فلماذا لم نسمع لهم صوتًا واحدًا أمام مشهد الهروب الجماعي الذي شهده المغرب الأسبوع الماضي؟ لماذا لم تتحول آلاف الأجساد التي ألقت بنفسها في البحر إلى قضية وطنية تستحق الوقوف عندها؟ ولماذا مر هذا الجرح وكأنه لم يكن؟
وأين وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية التي لا تترك مناسبة إلا وتبشر بمنجزات السياسات العمومية؟ كيف بلعت ألسنتها أمام مشهد يهز الضمير؟ أليست تلك الصور أبلغ من كل البلاغات، وأصدق من كل التقارير، وأقسى من كل استطلاعات الرأي؟ أم أن بعض الحقائق تُحجب لأنها تفسد الرواية الوردية التي يراد للمغاربة أن يصدقوها؟
وأين “الزعيم” الذي لا يكلّ ولا يملّ من مخاطبة الناس، عبد الإله بنكيران؟ أين خطبه التي تهز المنابر، وأين تعليقاته التي لا تغيب عن أي قضية؟ لماذا خيم الصمت هذه المرة؟ لماذا بلع لسانه، ولم يخرج ليخاطب أولئك الشباب الذين غامروا بحياتهم في البحر؟ وإذا كان قام باتهام المقاطعين بالعمالة والخيانة، فلماذا لم يتجرأ، كما فعل من قبل، على مخاطبة هؤلاء الفارين بالمنطق نفسه؟ أم أن بعض الوقائع أكبر من أن تُفسَّر بخطاب التخوين والمزايدات السياسية؟
إن الوطن لا يحتاج إلى من يلوم أبناءه كلما فقدوا الثقة، بل إلى من يمتلك الشجاعة ليسأل: لماذا فقدوها؟ ولا يحتاج إلى خطب موسمية عن المشاركة السياسية، بل إلى سياسات تجعل المواطن مؤمنًا بأن لصوته قيمة، وأن لكرامته مكانًا، وأن لمستقبله أفقًا داخل بلده.
فحين يصبح البحر صندوق الاقتراع الأخير لآلاف الشباب، وحين تتحول أمواج المتوسط إلى الورقة التي يكتبون عليها صرختهم الأخيرة، فإن الأزمة لم تعد أزمة مشاركة انتخابية، بل أزمة ثقة عميقة. وحينها، لا يكون السؤال: لماذا يقاطع المغاربة الانتخابات؟ بل: لماذا أصبح بعضهم يقاطع الوطن نفسه، ويبحث عن وطن آخر خلف البحر؟
“الانتخابات على بعد أسابيع معدودة… وإن أخطر تصويت عرفه المغرب لن يكون داخل مكاتب الاقتراع، بل كان فوق أمواج البحر، حيثُ صوّت آلاف الشباب والأطفال والرضّع بأجسادهم ضد واقع لم يعودوا يرون فيه مكانًا لأحلامهم … وما هذا الهروب الجماعي لآلاف المواطنين لهو أكبر استفتاء على الواقع الذي يعيشه المغرب، لأنه -أي الاستفتاء- لم يُجرَ في مكاتب التصويت، بل جرت أوراقه فوق أمواج البحر… هناك، لا يكذب أحد، ولا تُزوَّر الأرقام، ولا تُجمَّل النتائج”

